يقول جورج برنارد شو عن كواليس المفاوضات: التفاوض هو فن تقسيم الكعكة بطريقة ينصرف بعدها كل من الحضور معتقدًا أنه حصل على الجزء الأكبر.
بدأ يتناهى إلى مسامعنا من وسائل الإعلام عن بدء المفاوضات بين المعتدي أميركا وحليفتها إسرائيل من جهة، والمعتدى عليه إيران والمقاومة الشريفة في لبنان من جهة، لكن من العجلة التنبؤ والتكهن بما ستؤول إليه هذه المفاوضات من نتائج، والتي تلعب عوامل عديدة في تحديد خلاصتها، وهي:
القدرة على الصمود
الهجوم والقدرة على الردع
إدارة الأزمات.
بناءً على ما تقدم، فقدرة إيران على الصمود تساهم في رجحان كفة المفاوضات لمصلحتها، فالشعب الإيراني بأكمله وقف خلف الجيش وله تاريخ ضارب في جذور الحضارة، لا يقبل بأن يُعتدى عليه وأن يبقى صامتًا.
صحيح أن الكلمة الطيبة مؤثرة أكثر من الكلمة المنطقية لأنها تصيب المشاعر، وهذه حال مشاعر الشعب الإيراني الذي يرفض منطق الانبطاح مقابل كلمة تمس كبرياءه وحضارته وتاريخه.
وحال لسان الشارع العربي والإسلامي كلام معبّر عن الامتنان والسعادة للانتقام من الصهاينة لقتل أطفال ونساء وشباب وكهول غزة ولبنان، لكن هذه الحالة التي بدأت تنتشر بسرعة في الشارع العربي والإسلامي أيقظت فتنة المذاهب التي عملت عليها المخابرات البريطانية والأميركية والصهيونية منذ بداية تاريخ احتلال فلسطين من قبل الصهاينة، فبدأت حملة كبيرة لتخويف الشارع العربي والإسلامي من التشيّع ونشر المذهب الشيعي، وهذا يذكرنا بما حصل بعد انتصار المقاومة اللبنانية على إسرائيل في حرب 2006 عندما بدأت هجمة مذهبية على الشيعة والتشيّع والهلال الشيعي.
وللأسف، بعض المتعصبين ينضمون إلى هذه الحملة التي تسعّر نارها بعض القنوات الإعلامية الصهيونية الناطقة بالعربية، وبعض الأقلام والأفواه المأجورة.
الهجوم والقدرة على الرد: عملت إيران على فترة ثلاثين سنة وزيادة على بناء مدن عسكرية تحت الأرض تحسبًا لأي هجوم عليها، فالزائر لإيران لا يشاهد قواعد عسكرية على سطح الأرض، فكل ما يتعلق بالتجهيزات العسكرية تحت الأرض، مما يعطي الجيش الإيراني أريحية في الرد على الدول المعتدية عليه وقدرة على الصمود لفترة زمنية طويلة. فحسب التاريخ، إيران صمدت ثماني سنوات بوجه الاعتداء العراقي ومن يقف خلفه ولم تستسلم، فكيف الآن بوجود هذه القوة الصاروخية التي أسست لمعادلة عسكرية جديدة؟ فأميركا اعتمدت على سلاح الجو وحاملة الطائرات،
وروسيا اعتمدت على الغواصات النووية، وها هي إيران تغيّر المعادلات بتقنية أقل كلفة وأكثر قوة عنوانها الصواريخ والمسيّرات.
وتعتمد على سلاح أشد إيلامًا وهو سلاح الاقتصاد من خلال إغلاق مضيق هرمز، فأسعار السلع والمنتجات ارتفعت في جميع دول العالم مما ساهم في رفع التضخم الاقتصادي فانعكس سلبًا على القوى الشرائية.
إدارة الأزمات: بسيط من يعتقد أن هذه الحرب ضد إيران فحسب، بل هذه الحرب ضد الصين أيضًا، فالأخيرة كانت تشتري النفط الفنزويلي والإيراني والروسي بسعر أقل من ثمنه الحقيقي في السوق.
لذلك احتلت أميركا فنزويلا سياسيًا عبر خطف الرئيس، وحظرت تصدير النفط للصين.
وحربها على إيران من ضمن أهدافها منع تصدير النفط إلى الصين بسعر أقل من تسعيرة السوق، وأزالت أميركا العقوبات عن تصدير النفط الروسي لأنها تعلم أن الروس سوف يبيعون النفط بالسعر الرسمي للصين، فماذا حصل؟
جنّ جنون أوروبا على سياسة ترامب، فدول القارة العجوز تحاول تطويق روسيا منذ فترة غير قصيرة وفتحت جبهة أوكرانيا منذ شباط 2022 على الجيش الروسي، وقدمت لأوكرانيا الدعم المالي والعسكري وفرضت عقوبات على تصدير النفط والغاز الروسي، ولكن حرب أميركا على إيران وعيونها الشاخصة نحو الصين أذهبت أربع سنوات من التعب الأوروبي هباءً منثورًا.
الجميع مستعجل لإنهاء هذا العدوان على إيران لأن الأخيرة خنقت العالم اقتصاديًا بإغلاق مضيق هرمز، لكن الإيراني لا يريد إيقاف هذه الحرب إلا بالحصول على كامل الكعكة.
لذلك سارع وزراء خارجية باكستان ومصر وتركيا والسعودية إلى الاجتماع في الرياض صباح الأحد لإيجاد مخرج دبلوماسي للعدوان على إيران، وتواصلوا مع قائد من قادة الحرس الثوري ولم يتم التواصل مع وزير الخارجية أو رئيس مجلس النواب الإيراني.
أميركا مستعجلة للخروج من المستنقع الاقتصادي الذي أغرقت اقتصادها واقتصاد العالم معه، بينما إيران تحاول قدر الإمكان الحصول على تعويضات تعادل أضعاف الخسارة الاقتصادية التي حلت بها، لذلك من المتوقع وصول المفاوضات إلى خاتمة إنهاء العدوان في مهلة أقلها أسبوع وأطولها أسبوعان.


